أحمد بن علي القلقشندي

202

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

شيء ، فقد سبق إلى تقديمه ناس وأبطأ آخرون ؛ وليس بعجب أن يفوق الرّجل أترابه في الزّهد ، وأكفاءه في الفقه ، وأمثاله في الذّبّ : وهذا يوجد في كلّ زمان ، ويصاب في كلّ البلدان ؛ ولكنّ العجب العجيب ، والنّادر الغريب ، الذي تهيّأ في عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه واتّسق له ؛ وذلك أنه غبر عشر حجج : يفتح الفتوح ، ويدوّخ البلاد ، ويمصّر الأمصار ، ويدوّن الدّواوين ، ويفرض الفروض ، ويرتّب الخاصّة ، ويدبّر العامة ، ويجبي الفيء ، وترمي إليه الأرض بأفلاذ كبدها ، وأنواع زخرفها ، وأصناف كنوزها ، ومكنون جوهرها ، ويقتل ملوكها ، ويلي ممالكها ، ويحلّ ويعقد ، ويولَّي ويعزل ، ويضع ويرفع ، وبلغت خيله إفريقية ، ودخلت خراسان : كلّ ذلك بالتّدبير الصّحيح والضّبط ، والإتقان والقوّة ، والإشراف ، والبصر النّافذ ، والعزم المتمكَّن ، ثم قال : لا يجمع مصلحة الأمّة ، ولا يحوشهم على حظَّهم من الألفة واجتماع الكلمة ، وإقامتهم على المحجّة ، مع ضبط الأطراف ، وأمن البيضة - إلا لين في غير ضعف ، وشدّة في غير عنف . ثم غبر بعد ذلك سنيّه كلَّها على وتيرة واحدة ، وطريقة مطَّردة ؛ لا ينجرف عنها ، ولا يغيّرها ، ولا يسأمها ، ولا يزول عنها : من خشونة المأكل والملبس ، وغلظ المركب ، وظلف ( 1 ) النّفس عن صغيرها وكبيرها ، ودقيقها وجليلها ، وكلّ ما يناجز الناس عليه ؛ لم يتغيّر في لقاء ولا في حجاب ، ولا في معاملة ولا في مجالسة ، ولا في جمع ولا في منع ، ولا قبض ولا بسط : والدّنيا تنصبّ عليه صبّا ، وتتدفّق عليه تدفّقا ؛ والخصلة من خصاله ، والخلَّة من خلاله ، تدعو إلى الرّغبة ، وتفتح باب الألفة ، وتنقض المبرم ، وتفيد المروءة وتفسح المنّة ، وتحلّ العقدة ، وتورث الاغترار بطول السّلامة ، والاتّكال على دوام الظَّفر ، ومواتاة الأيّام ، ومتابعة الزّمان . وكان ثباته عشر حجج على هذه الحال أعجوبة ، ومن البدائع الغريبة . وبأقلّ من هذا يظهر العجب ، ويستعمل الكبر ، ويظهر الجفاء ، ويقلّ التّواضع .

--> ( 1 ) أي منعها .